"حريق صغير تمت السيطرة عليه، بدون خسائر في الأرواح، جسم معادٍ يسقط في منطقة خالية من السكان، التصدي لمقذوف حوثي في سماء المملكة"، هذه الجُمل القصيرة كانت الصيغ التي تتألف منها الأخبار في القنوات السعودية والقنوات والمواقع والصحف التابعة لبقية دول التحالف، خصوصاً الإماراتية والسعودية، بعد كل عملية هجومية تنفذها قوات صنعاء في العمق السعودي، محاولةً التقليل من شأنها، والظهور بصورة قوية توازي ترسانة أسلحتها المهولة التي حشدتها للقتال في اليمن، وخصوصاً أن كلفة تلك الأسلحة باهظةً جداً أنفقت المملكة على شرائها مئات المليارات من الدولارات، على حساب خزينتها العامة وثرواتها السيادية التي تُعد في الأساس ملكاً للشعب السعودي، وليس ليبددها ولي العهد لإرضاء نزواته الشخصية.
تقرير- إبراهيم القانص - يمني نيوز :
كانت الرياض ترى من المعيب جداً الاعتراف بالأضرار التي تخلفها هجمات صنعاء، العصية على منظومات الدفاع الجوي المتطورة التي كلفت محمد بن سلمان رهن سيادة بلاده وثرواتها للولايات المتحدة الأمريكية مقابل الحماية، لكنها خيبت الآمال بعجزها عن رصد أو صد هجمات تمت وتتم بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة تم تطويرها وتصنيعها محلياً في الداخل اليمني، ورغم تقليل الإعلام السعودي والخليجي بشكل عام من آثار الهجمات اليمنية على السعودية إلا أن صراخها كان يعلو دائماً في الجلسات التي يعقدها مجلس الأمن بشأن اليمن، مستنفرةً العالم أجمع وقف الخطر الداهم الآتي من اليمن، رابطة ذلك بتهديد إمدادات الطاقة عالمياً، وهذا التناقض كان عبارة عن حالة طبيعية فرضها العجز عن المواجهة في الميادين أو التصدي للهجمات العابرة للحدود.
وصلت السعودية إلى مرحلة عجز وارتباك وتخبط غير مسبوقة، فأعمدة الدخان التي تتصاعد بين حين وآخر من منشآتها النفطية المستهدفة لم تعد تسمح بإنكار أن هناك ناراً، ورغم أن القاعدة التي يعرفها الجميع تقول إنه "لا دخان من غير نار"، إلا أن وسائل الإعلام السعودية ظلت تحاول إقناع الرأي العام المحلي والخليجي والعربي بأن دخان منشآتها النفطية والحيوية يتصاعد بعيداً عن القاعدة المعروفة، وليس بالضرورة أن يكون ناتجاً عن اشتعال النيران.
العمليات الهجومية التي بدأتها قوات صنعاء أخيراً على السعودية، وأطلقت عليها مسمى "كسر الحصار"، رداً على ما أسمته تعيد الحصار الاقتصادي على اليمنيين، كانت أكثر دقةً وأثراً من سابقاتها، وربما شاهدت المملكة والدول المجاورة لها سحب الدخان المتصاعدة من منشآت "أرامكو" النفطية، وشاهدت أيضاً ألسنة اللهب التي كونت تلك السحب الدخانية، الأمر الذي أجبر وسائل الإعلام السعودية على التعامل مع الهجمات كما هي، بعيداً عن الاستخفاف بعقول مواطنيها من خلال التقليل من شأن الأضرار وإصابة الأهداف بدقة عالية، فلا مفر من الاعتراف بعار العجز عن الدفاع، والاعتراف أيضاً بالمأزق الذي ساقت الرياض نفسها إليه معتمدةً على داعميها ومشجعيها الدوليين الذين لا تعنيهم حمايتها شيئاً بقدر ما تعنيهم أموالها وثرواتها التي تذهب إلى خزائن بلدانهم مقابل صفقات الأسلحة التي تُعدّ الأكبر على مدى التاريخ، والأقل فاعلية والأكثر إخفاقاً على مدى تاريخ الحروب أيضاً، عدا أنها تفتك بالمدنيين من الأطفال والنساء إذا ما سقطت على رؤوسهم من الجو بأحدث الطائرات المقاتلة.
لا يبدو أن صنعاء ستوقف عملية "كسر الحصار" التي أطلقتها مقابل تصعيد التحالف حصاره الاقتصادي على اليمن واحتجاز سفن المشتقات النفطية ومنعها من الوصول إلى ميناء الحديدة، ولا يبدو أن السعودية قادرة على حماية عمقها ومنشآتها الحيوية، الامر الذي سيقوض خيارات المملكة ويقربها من رفع الحصار كضمانة وحيدة لسلامة منشآتها الحيوية والنفطية تحديداً، خصوصاً بعد تنفيذ قوات صنعاء المرحلة الثالثة من عملية "كسر الحصار" والتي كانت هذه المرة أشد فتكاً من المرحلتين السابقتين، فمنشآت شركة "أرامكو" النفطية في المناطق التي استهدفتها قوات صنعاء ضمن عمليتها الموسعة "كسر الحصار" احترقت بالكامل، حسب ما تداولته مواقع التواصل وشبكات إخبارية عالمية من تسجيلات مرئية أوضحت فداحة الخسائر وعنف الهجمات.
قوات صنعاء، في بيانها العسكري الذي أصدرته أمس الجمعة، أكدت استهداف منشآت "أرامكو" في جدة ومنشآت حيوية في العاصمة الرياض بدفعة من الصواريخ المجنحة، كما تم قصف مصفاة رأس تنورة ومصفاة رابغ النفطية، بدفعات من الطائرات المسيَّرة، وقالت القوات في بيانها إنها استهدفت أيضاً "أرامكو" جيزان ونجران، وأهداف حيوية وهامة في مناطق جيزان وظهران الجنوب وأبها وخميس مشيط، بأعداد كبيرة من صواريخها الباليستية وطائراتها المسيَّرة، متوعدةً بتوسيع العمليات والأهداف، حسب البيان، الذي أكد وضع منشآت "أرامكو" كافةً أهدافاً للعمليات الهجومية، التي ستستمر في تدمير تلك المنشآت ما لم ترفع السعودية حصارها وتطلق سفن النفط المتحجزة.
الرياض اعترفت بالخسائر الكبيرة في قطاعها النفطي، التي خلفتها هجمات قوات صنعاء، حيث أعلنت وزارة الطاقة السعودية عن تعرض محطتي توزيع المنتجات البترولية في جدة، و"المختارة" في منطقة جيزان يمنية، محاولةً استنفار العالم للدفاع عنها بتجديد إخلاء مسئوليتها، عن أي نقص في إمدادات البترول للأسواق العالمية، في حال استمرت هجمات صنعاء، لكن صنعاء كانت قد أعلنت قبل تنفيذ قواتها المرحلة الثالثة من عملية "كسر الحصار" أنها لا تبالي ولا تكترث لما قد ينقص من إمدادات الطاقة عالمياً، ما دام مواطنوها يُخنقون بحصار السعودية الاقتصادي، في ظل صمت العالم عن ذلك وتواطئه مع التحالف، منذ بدء الحرب التي دخلت عامها الثامن.

تعليقات: 0
إرسال تعليق